ملا محمد مهدي النراقي
202
جامع السعادات
ومنهم من عميت بصيرته ، فلم يعتبر ، فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستفتح إلى حبسه له أبواب جهنم . وأما الثالث - فأكثر وجودا منه . وأما الرابع - فدار الدنيا طافحة به ، لقصور أكثر الناس عن إدراك لذة العلم ، إما لعدم الذوق ، إذ من لم يعرف ولم يشتق ، إذ الشوق فرع الذوق وذلك إما لقصور فطرتهم وعدم اتصافهم بعد بالصفة التي بها يستلذ العلم ، كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل ، ولا يستلذ إلا باللبن ، فهؤلاء ممن يحيي باطنه بعد كالطفل . وإما لمرض قلوبهم أو موتها بسبب أتباع الشهوات ، كالمريض الذي لا يدرك لذة الشكر ، أو الميت الذي سقط عنه الإدراك ، وهؤلاء كالمرضى أو الأموات بسبب اتباع الشهوات . القسم الثاني - الفضائل البدنية : وهي أربعة : الصحة ، والقوة ، وطول العمر ، والجمال . الثالث - النعم الخارجة المضيفة بالبدن : وهي : المال ، والجاه ، والأهل ، وكرم العشيرة . الرابع - الأسباب التي تناسب وجه الفضائل النفسية ، ويعبر عنها بالنعم التوفيقية : وهي هداية الله ، ورشدة ، وتسديده ، وتأييده وهذه الجملة مما يتوقف بعضها على بعض ، إلى أن ينتهي إلى السعادة التي هي مطلوبة لذاتها . والتوقف إما على سبيل اللزوم والضرورة ، كتوقف سعادة الآخرة على الفضائل النفسية والبدنية ، وتوقف الفضائل النفسية على صحة البدن ، أو على سبيل النفع والإعانة ، كتوقف الفضائل النفسية والبدنية على النعم الخارجة . ووجه كونها معينة نافعة في تحصيل العلم وتهذيب الأخلاق وصحة البدن ظاهر . وإعانة الجمال في كسب الفضائل النفسية والبدنية مبني على أن القبيح مذموم ، والطباع عنه نافرة ، فحاجات الجميل إلى الإجابة أقرب ، وجاهه في الصدور أوسع . وأيضا الغالب دلالة الجمال على فضيلة النفس ، لأن نور النفس إذا تم إشراقه تأدى إلى البدن . ولذلك عول أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن . ثم إنا لا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة ، فإن ذلك أنوثة ، بل نعني به البراءة عن العيوب والنقص والزيادة ، وارتفاع القامة على الاستقامة ، مع الاعتدال